الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
158
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وارتجف حين رأى الجمع وليس بينهم يوسف ، وسأل عنه مستفسرا . . . فأجابوه وقالوا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا لصغر سنه ولأنه لا يعرف التسابق ، وانشغلنا عنه فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . لأنك أخبرتنا من قبل بهذا الاحتمال ، وستظن أن ادعاءنا مجرد احتيال . لقد كان كلام إخوة يوسف مدروسا بشكل دقيق ، وذلك - أولا - لأنهم خاطبوا يعقوب بقولهم بكلمة " يا أبانا " وفيها ما فيها من الاستعطاف . وثانيا : لأن من الطبيعي أن ينشغل هؤلاء الإخوة الأقوياء بالتسابق ، ويتركوا أخاهم الصغير رقيبا على متاعهم ، وبعد ذلك كله فقد جاؤوا أباهم يبكون لتمرير خطتهم ، وقالوا له : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . ومن أجل أن يبرهنوا على صحة كلامهم فقد جاءوا على قميصه بدم كذب إذ لطخوا الثوب بدم الغزال أو الخروف أو التيس . . . ولكن حيث أن الكاذب لا يمتلك حافظة قوية ، وحيث أن أية حقيقة فيها علائق مختلفة وكيفيات ومسائل يقل أن تجتمع منظمة في الكذب ، فقد غفل إخوة يوسف عن هذه المسألة الدقيقة . . . وهي - على الأقل - أن يخرقوا قميص يوسف الملطخ بالدم ليدل على هجوم الذئب . . . فقد قدموا القميص سالما غير مخرق فأحس الأب بمؤامرتهم ، فما إن وقعت عيناه على القميص حتى فهم كل شئ وقال بل سولت لكم أنفسكم أمرا . جاء في بعض الروايات أن يعقوب أخذ قميص يوسف وهو يقلبه ويقول : " ما أرى أثر ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم " ، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق على قميصه ، وجاء أنه بكى وصاح وحر مغشيا عليه فأفاضوا على الماء فلم يتحرك ونادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق ، فقال : ويل لنا من